النقاط الحمراء..تفاصيل صغيرة

 

 

“التفاصيل الصغيرة.. قد تعني شيئًا كبيرًا”

فَفي حياتِنا نواجه الكثير مِن التفاصيل الصغيرة بِلا مُبالاة ظَاهرة، لأننا لم نعي معنى تلك التفاصيل التي قد تَكون جزءًا مِن أُحجية تحتاجُ وقتًا لِتظهر بصورتها الكاملة..

هذا ما كُتِب على غلاف مذكّرات سارة التي كانت بجانبها وهي مُنشغِلة بالعملِ على حاسوبها المحمول لإنهاء بعض المهام..

هدوءٌ تام يعمّ أرجاء الغرفة والضجيج كان بِداخل عقلها فَقط.. فهي تُحاول أن تُنهي أول مشاريعها الدراسية لهذا العام بِتميّز..

…. فجــأة! قفزت سارة فزعًا جرّاء صوت فتح الباب القوي المُفاجئ.. أطالت النّظر في جدتها التي ابتسمت بِخجل؛ لتقول: “سامحيني يا ابنتي، ظننتها غرفتي.”

قد يكون هذا الموقف طبيعيًا لسيدة كبيرة في السن جاءت منذ أسبوع إلى منزل ابنتها لتقضي بعض الوقت مع أحفادِها، لكن لم يكن ذلك طبيعيًا بالنسبة إلى سارة التي ردّت الابتسامة بِمرح وقالت: لا بأس جدتي.. فأبواب غرف المنزل تتشابه؛ لابدّ أنكِ كنتِ مشغولة البال أيضًا..

وخرجت مع جدتها لإيصالها إلى غرفتها ثم عادت مُسرِعة لِتفتح الصفحة الأخيرة مِن دفتر مذكّراتها وتضع نقطةً باللون الأحمر، وقد كانت تِلك النقطة الرابعة التي تحمل هذا اللون.. فكلّ نقطة بِهذه الصفحة تعني موقِفًا مُشابه..

ذهَبت مجددًا إلى غرفة الجدّة لِتُسلِّيها بالحديثِ معها، فقد بدت وكأنها تبتسم لإخفاء معالم الإحراج مِن الموقفِ الأخير..

 

سجّادة الصّلاة باتجاهٍ مقلوب!!!

 

هذا ماوجدته سارة أمام جدّتها التي كانت تُكبّر لبدء آداء الصلاة..

بِسُرعة!!

استوقفت الجدّة و وضعت السجادة باتجاه القبلة الصحيح، وقالت بابتسامة: هنا القبلة..

بدَت ملامح الارتباك تظهر على وجه الجدّة، لتردف سارة بِمرح: “أنا دائمًا أنسى اتجاه القبلة في منزِلك، وأنتِ تنسينها في منزلنا.. تعادلنا الآن”

هزّت الجدّة رأسها بتأييد ثم نَكرت ذلك بِحدة: “لا!! أنا ما أنسى، هذي الخادمة حطّتها هنا.. كنت بغيّرها بس سبقتيني..”

ثم نادت الخادمة لِتنهرها بِصوتٍ عالٍ….

لم ينتهِ الأمر عِند هذا الموقف.. ففي مساءِ ذلك اليوم كان الجو شديد البرودة عندما صدرَ أنين تتخلله شهقات حسرة مِن الغرفة السرّية.. مشت سارة بهدوء لِتجد الجدّة أمام سريرها تبكي بانكسار وتقول: ” أشعر بالبرد ولا أعرف كيف أرتدي جواربي القطنية، لا أعلم ما الذي يحصل..”

.

أطلقت سارة لقب “السرّية” على غرفة جدّتها التي ربّما شهدت مِثل تلك المواقف مِرارًا وتكرارًا دون عِلم أحد..

استأذنت سارة جدّتها أن تنام معها في الغرفة أثناء عطلةِ نهاية الأسبوع.. تِلك الليلة كانت أشبَه بِكابوسٍ لم تستطع التخلّص منه..

ففي الساعة ٢:١٧ صباحًا استيقظت الجدّة بهدوء ونزلت إلى الطّابق السفلي لِتدور بين أرجائه.. ثم عادت إلى سريرها.. عينا سارة كانت تراقبها دون أن تلحظ ذلك..

تظاهرت سارة وكأنها للتو استيقظت من النوم لتسأل جدتها عمّا إذا كانت تحتاج شيئًا يمكن أن تحضره لها.. فكان الجواب: لا! أردت أن أتوضّأ لأصلي العِشاء..!

الساعة ٣:٤٥ صباحًا أيقظت الجدّة حفيدتها التي غَفت بعد كتابة نقاطها الحمراء بِفَزع..

– استيقظوا جميعًا.. لم نصلّي الظهر والعصر ستغرب الشمس وأنتم نائمون…

استمرّ تكرار هذه المواقف حتى وقت الفطور …

.

و بعد أيام قليلة.. ازدادت النّقاط الحمراء بِشكلٍ مُريب حتى بدأت سارة تتأكد مِن شكوكها..

ذَهبت إلى والدتها لِتحدثها بكل ما لاحظته..

فكانت شكوكٌ مُشتركة؛ لِذا! زيارة الطبيب ستكون اليقين..

.

جاء اليوم الموعود.. والموعد المحتوم.. وكان مِن ضمن الإجراءات اللازمة أن يُجري الطبيب مُقابلة قصيرة مع الجدّة.. وكان مِن ضِمنها هذه الأسئلة:

  • كم عدد أبنائك؟
  • اممم.. -تبدأ العدّ بأصابعها- أربعة! لا لا.. ستّة.
  • كم لك متزوجة؟
  • نسيت! أو ربّما ثلاثون سنة..

استمرّت المقابلة عشرين دقيقة.. والإجابات أعلاه كانت ضمن الإجابات الكثيرة الخاطئة..

.

إنه “ألزهايمر”

ذلِك المساء لم يكن عاديًا.. بدت سارة مُطمئنّة متماسكة تُرافق والدتها وتُطمئِنها .. ثم تذهب إلى جدتها وتطلب منها الحديث عن أيامِ الشباب والماضي الجميل، وهذا الجانب الذي تفضّل الجدّة الحديث عنه كلّ مرة.. وفي كل مرة تختلف التفاصيل.. لكن المُتعة موجودة!

.

بعد مُنتصف الليل.. فتحت سارة دفتر مذّكراتها ونظرت إلى النقاط الحمراء التي ملأت الصفحة الأخيرة، ثم بدأت تكتب..

( الموت لا يعني أن تُغادِر روحك جسدك فقط!

الموت أن تَفتقِد معالم المُتعة في الحياة..

الموت! أن ترى نفسك تفقد القدرة على تأدية مهامك اليومية لِوحدك..

الموت! أن تُطارِد الذكريات لِتُمسك بِها كي لا تطير إلى عالم النسيان.. فهي الوحيدة التي يمكن أن تجعلك سعيدًا حتى آخر لحظة!

الموت! أن تجلس مع أحبابك مُتظاهِرًا بالاستمتاع معهم، لكِنك في الحقيقة تُصارِع ذاكِرتك، لتتذكر اسم الشخص الذي يبتسم أمامك..

الموت! أن….

 

لا أستطيع إكمال الكتابة، لِأن جدتي تظنّ الأشخاص في التّلفاز، غُرباء يداهمون منزِلنا.. هي تحتاجني الآن!

كما كنت أحتاجها في صغري.. هذا هو الموت!!)

*سارة.

قصّة واقعية..

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s